ابن جبير

146

رحلة ابن جبير ( تذكرة بالأخبار عن اتفاقات الأسفار )

شهر في الحجة عرفنا الله بركته استهل هلاله ليلة الخميس بموافقة الخامس عشر من مارس وكان للناس في ارتقابه امر عجيب وشأن من البهتان غريب ونطق من الزور كاد يعارضه من الجماد فضلا عن غيره رد وتكذيب وذلك انهم ارتقبوه ليلة الخميس الموفى ثلاثين والأفق قد تكاثف نوؤه وتراكم غيمه إلى أن علته مع المغيب بعض حمرة من الشفق فطمع الناس في فرجة من الغيم لعل الابصار تلتقطه فيها فبينما هم كذلك إذ كبر أحدهم فكبر الجم الغفير لتكبيره ومثلوا قياما ينتظرون مالا يبصرون ويشيرون إلى ما يتخيلون حرصا منهم على أن يكون الوقفة بعرفات يوم الجمعة كان الحج لا يرتبط الا بهذا اليوم بعينه فاختلقوا شهادات زورية ومشت منهم طائفة من المغاربة أصلح الله أحوالهم ومن أهل مصر أربابها فشهدوا عند القاضي برؤيته فردهم أقبح رد وجرح شهاداتهم أسوأ تجريح وفضحهم في تزييف أقوالهم أخزى فضيحة وقال يا للعجب لو أن أحدهم يشهد برؤيته الشمس تحت ذلك الغيم الكثيف النسج لما قبلته فكيف برؤية هلال هو ابن تسع وعشرين ليلة كان أيضا مما حكى من قوله تشوشت المغارب تعرضت شعرة من الحاجب فأبصروا خيالا ظنوه هلالا وكان لهذا القاضي جمال الدين في أمر هذه الشهادة الزورية مقام من التوقف والتحري حمده له أهل التحصيل وشكره عليه ذوو العقول وحق لهم ذلك فإنها مناسك الحج للمسلمين عظيمة أتوا لها من كل فج عميق فلو تسومح فيها بطل السعي وقال الرأي والله يرفع الالتباس والبأس بمنه فلما كانت ليلة الجمعة المذكورة ظهر الهلال أثناء فرج السحاب وقد اكتسى